عبد الرحيم العراقي
73
شرح التبصرة والتذكرة
الفصل الأول التعريف بالكتاب المبحث الأول مادته ومحتواه : كلنا يعلم جيداً أن الحافظ العراقي في نظمه هذا كان يحاول احتواء كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث ، فمن البدهي أن يكون شرح هذا النظم في موضوع الأصل ، لذا فقد كانت مادة علوم الحديث أو مصطلح الحديث المادة الأصلية في الكتاب ، غير أن الكتاب لا يخلو من مباحثات في علوم متنوعة كاللغة والصرف والنحو والعروض والتاريخ والسير وغيرها ، دلّت بمجموعها على تضلع الحافظ العراقي من علوم شتى وتنوع معارفه واختلاف مشاربه ، كما أن الكتاب لم يكن اختصاراً مجرداً ، أو تقنيناً رتيباً ، بل امتاز بأن أتى الشارح فيه بغرر الفوائد ، ونفائس العوائد ، استدراكاً وتصحيحاً وتعقباً وإيضاحاً ، وزيادات ضمتها دفتا هذا السفر العظيم أكملت في نهاية المطاف مشوار علم مصطلح الحديث . وفي اعتقادنا - ونحن نكتب هذه الأسطر - أنه لم يأت بعد الحافظ العراقي حافظ يدانيه أو يقاربه سوى الحافظ ابن حجر ، الذي صنف أيضاً في علم مصطلح الحديث كتاباً ، لعلنا لا نكذب أنفسنا إن قلنا أن الحافظ العراقي كان مادته الأولى فيه ، وإن كانت لابن حجر روعة الترتيب والابتكار . لذا فإن في وسعنا القول أن الحافظ العراقي يعدُّ المؤسس الثاني والمُنَظِّر الأخير لعلم المصطلح ، وإن استدركت عليه بعض الأشياء ، فهي لا تخل بروح التجديد التي امتلكها الحافظ العراقي ، في أثناء شرحه فالحكم هنا للأغلبية لا للكلية . وقد احتوى هذا الكتاب في تضاعيفه على مفاتيح علم الحديث ، ضمنها نبذاً من علومه على اختلاف موادها ، فمن التواريخ إلى المتون ثمَّ ضبطها ثم المعرفة بالرجال ثمَّ بجرحهم وتعديلهم ثمَّ . . . ثمَّ إلى ألوان العلوم يتقلب القارئ فيها بين رياض أزهارها ، يقطف ورودها ويجني ثمارها بإدامة النظر في هذا العلم وتتبع شوارده ، وقنص فوائده ، وملاحظة مواضع كلام أهل الشأن فيه ، والله الهادي والموفق للحق بإذنه .